ابن عربي

29

رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن

كتابا لضم حروفه بعضها إلى بعض ، وضم معانيه إلى حروفه ، مأخوذ من كتيبة الجيش ، وهو كتاب مبسوط للرحمة ، لأنه منها نزل كما قال تعالى : ( تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) وقد قال تعالى في ذلك ( كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ) وهنا قال تعالى : « قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ » فإحكام الآيات وتفصيلها لا يعرفه إلا من آتاه اللّه الحكمة وفصل الخطاب ، وصورة الحكمة التي أعطاها الحكيم الخبير لأهل العناية ، علم مراتب الأمور وما تستحقه الموجودات والمعلومات من الحق الذي هو لها ، وهو إعطاء كل شيء خلقه إعطاء إليها ، ليعطي كلّ خلق حقه إعطاء كونيا بما آتانا اللّه ، فنعلم بالقوة ما يستحقه كل موجود في الحدود ، ونفصله بعد ذلك آيات بالفعل لمن يعقل كما أعطانيه الخبير الحكيم ، فننزل الأمور منازلها ونعطيها حقها ، ولا نتعدى بها مراتبها ، فتفصيل الآيات من المفصّل إذا جعلها في أماكنها بهذا الشرط - لأنه ما كل مفصّل حكيم - دليل على أنه قد أوتي الحكمة وعلم إحكام آياته ، ورحمته بالآيات والموجودات التي هي الكتاب الإلهي وليس إلا العالم - فإن العالم كله كتاب مسطور في رق منشور ، وهو الوجود - دليل على علمه بمن أنزله وليس إلا الرحمن الرحيم ، وخاتمة الأمر ليست سوى عين سابقتها ، وسوابقها الرحمن الرحيم ، فمن هنا تعلم مراتب العالم ومآله أنه إلى الرحمة المطلقة ، وإن تعب في الطريق وأدركه العناء والمشقة ، فمن الناس من ينال الرحمة والراحة بنفس ما يدخل المنزل الذي وصل إليه وهم أهل الجنة ، ومنهم من يبقى معه تعب الطريق ومشقته ونصبه بحسب مزاجه ، وربما مرض واعتل زمانا ثم انتقل من دائه واستراح وهم أهل النار الذين هم أهلها ، ما هم الذين خرجوا منها إلى الجنة فمستهم النار بقدر خطاياهم مع كونهم أماتهم اللّه فيها إماتة ، فإن أولئك ليست النار منزلا لهم يعمرونه ويقيمون فيه مع أهليهم ، وإنما النار لهؤلاء منهل من المناهل التي ينزلها المسافر في طريقه حتى يصل إلى منزله الذي فيه أهله ، فهذا معنى الحكمة والتفصيل ، فمن كشف التفصيل في عين الإجمال علما أو عينا أو حقا فذلك الذي أعطاه اللّه الحكمة وفصل الخطاب ، وليس إلا الرسل والورثة خاصة . [ سورة فصلت ( 41 ) : الآيات 4 إلى 5 ] بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ ( 4 ) وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ ( 5 )